ابن الجوزي

27

زاد المسير في علم التفسير

منها الأذل ، وكان في القوم زيد بن أرقم ، وهو غلام يومئذ لا يؤبه له ، فقال لعبد الله : أنت والله الذليل القليل ، فقال : إنما كنت ألعب ، فأقبل زيد بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : دعني أضرب عنقه . فقال : إذن ترعد له آنف كبيرة ، قال : فإن كرهت أن يقتله رجل من المهاجرين ، فمر سعد بن عبادة ، أو محمد بن مسلمة ، أو عباد بن بشر فليقتله ، فقال : إذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، فأرسل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عبد الله بن أبي ، فأتاه ، فقال : أنت صاحب هذا الكلام ؟ فقال : والذي أنزل عليك ما قلت شيئا من هذا ، وإن زيدا لكذاب ، فقال من حضر : لا يصدق عليه كلام غلام ، عسى الله أن يكون قد وهم ، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفشت الملامة من الأنصار لزيد ، وكذبوه ، وقال له عمه : ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، ومقتوك ! فاستحيا زيد ، وجلس في بيته . فبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي ، لما بلغك عنه . فإن كنت فاعلا فمرني به ، فأنا أحمل إليك رأسه ، فإني أخشى أن يقتله غيري ، فلا تدعني نفسي حتى أقتل قاتله ، فأدخل النار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل تحسن صحبته ما بقي معنا " ، وأنزل الله سورة ( المنافقين ) في تصديق زيد ، وتكذيب عبد الله ، فأرسل [ رسول ] الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد فقرأها عليه ، وقال : ان الله قد صدقك . ولما أراد عبد الله بن أبي أن يدخل المدينة جاء ابنه ، فقال : [ ما ] وراءك ، قال : مالك [ ويلك ] ؟ قال : لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم اليوم من الأعز ، ومن الأذل ، فشكا عبد الله إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما صنع ابنه ، فأرسل إليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن خل عنه حتى يدخل ، فلما نزلت السورة وبان كذبه قيل له : يا أبا حباب : إنه قد نزلت فيك آيات شداد ، فاذهب إلى رسول الله ليستغفر لك ، فلوى به رأسه ، فلذلك قوله [ عز وجل ] : ( لووا رؤوسهم ) وقيل : إن الذي قال له هذا عبادة بن الصامت . بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ( 1 ) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا الله إنهم ساء ما عن سبيل كانوا يعملون ( 2 ) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ( 3 )